السيد كمال الحيدري
118
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
في عدم إنفاذها إلى هذه الغاية ، لأنّ الكلمات القرآنية بحسب الصورة تنفد بوقته من الموادّ فضلًا عن البحور ، وإن فرض من حيث المعنى فإنفاذها وعدم إنفاذها يرجع إلى ما قلناه ، وهو أنّه مشتمل على الكتاب الآفاقي وأسراره وحقائقه ، وأنّه نسخة إجماله وتفصيله ، ويعضد ذلك ما ورد في اصطلاح القوم في تعريف الكلمة وتقسيمها وهو قولهم : الكلمة يكنّى بها عن كلّ واحدة من الماهيّات والأعيان والحقائق والموجودات الخارجية ، وعلى الجملة عن كلّ متعيّن ، وقد تخصّ المعقولات بين الماهيات والحقائق والموجودات والأعيان بالكلمة المعنوية الغيبيّة ، والخارجيات بالكلمة الوجوديّة ، والمجرّدات المفارقات بالكلمة التامّة . والكلّ راجع إلى الكلمات الآفاقية دون القرآنية ، وإليها الإشارة بقوله تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ « 1 » ؛ لأنّ كلماته الآفاقية الباقية الدائمة لا تبديل لها من حيث هي هي ، بل من حيث النقل من صورة إلى صورة أُخرى ، كما هو مقرّر في بحث المعاد . ويكفي في هذا قوله تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً « 2 » ؛ لأنّ كلّ شخص يكون له أدنى تأمّل يعرف أنّ هذا ليس إشارة لا إلى كلمات القرآن ، ولا التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ، ولا الصحف ولا الكتب المنزّلة من
--> ( 1 ) الأنعام : 115 . ( 2 ) الكهف : 109 .